نصر محروس وبرنارد شو .. سؤال الخالق والمخلوق

 في أسطورة بيجماليون يعشق النحات بيجماليون التمثال الذي صنعه بيديه ويحاول أن يحوله لكائن حي ولكنه يفشل، وفي المسرحية التي تحمل نفس الاسم لبرنارد شو "سيدتي الجميلة"، يحول عالم الصوتيات فتاة من الطبقات الشعبية لفتاة ارستقراطية تبهر المجتمع ويقع في حبها ولكنها ترفض حبه في نهاية المسرحية، هكذا تبدو قصة نصر المحروس صانع النجاح والنجوم .

المنتج نصر محروس


ورث نصر محروس مهنته من والده السيد محروس عبد المسيح الذي كان موزعا ومنتجا لشرائط كاسيت، والذي تعامل مع كبار المطربين مثل محمد رشدي ومحرم فؤاد وكارم محمود وشفيق جلال، مع نهاية الثمانينات  وسيطرة "الأغنية الشبابية" على سوق الكاسيت قرر نصر أن يستقل وأن يقوم بانشاء شركة انتاج خاصة به وهي "فري ميوزك" ، كانت البداية الحقيقية مع عازف الساكسفون الشهير سمير سرور , والذي اكتشفه الفنان بليغ حمدي واشركه بالعزف مع عبد الحليم حافظ وأم كلثوم، والذي تميز بقدرته على تطويع آلة الساكسفون الغربية والتي اشتهرت بوجودها في موسيقى الجاز لأداء ثلاثة ارباع النغمة أو "الربع تون"  الخاص بالموسيقى الشرقية , فاستغل نصر محروس  مهارة سمير سرور كعازف ليعيد تسجيل كلاسيكيات الموسيقى المصرية الشهيرة بآلة الساكسفون  بعد اعتذار حميد الشاعري عن اعادة توزيع الاغاني القديمة  مع نصر وتعاقده مع شركة أخرى، ويقدم نصر ألبومات بتوزيع جديد يتناسب مع جمهور شاب أعاد اكتشاف الأغاني القديمة من خلال ألبومات "عاشق الساكس" التي حققت نجاحا تجاريا كبيرة .

 الخطوة الثانية وهي أكثر تميزا تتمثل في تحويل مطرب شعبي الى مطرب عاطفي كلاسيكي شبابي، وهو المطرب خالد عجاج الذي حقق نجاحا في مجال الأغنية الشعبية بأغنية "شكى بكى حكى" , ليرى فيه نصر خامة صالحة لمشروعه ويطلق ألبوم "وحشتني " وأغنية مصورة هي "فيه ناس " والتي حققت نجاحا كبيرا , ويتنوع الالبوم  بين العاطفي والشعبي والأغنية الكلاسيكية "وحشتني" للمطربة "سعاد محمد" التي أعاد عجاج غناءها، ليضع الألبوم خالد عجاج بين نجوم الصف الأول، ويواصل نصر محروس نجاحه مع عجاج من خلال ألبومات "اصعب حب " و "ولا دمعة" و "وحداني " بأغان حققت انتشارا وتنوعا مثل تعلالي واصعب حب , ليستمر نجاح الثنائي ومع ابتعاد عجاج عن نصر ينتهي نجاحه رغم بعض محاولاته الا أنه يفقد المكانة التي حققها معه  فلقد انتهى تعاقده مع خالق نجاحه  وفقد ما كان يملكه .

وهي التجربة المشابهة لما فعله نصر مع المطرب الشعبي "حسن الأسمر" حيث انتقل به من اللون الشعبي للون الشعبي الحديث أو المودرن من خلال تنفيذ وتوزيع الأغنيات بشكل عصري وجديد ليحقق نجاحا واضحا بأغنيات "أنا أهو" و "اتخدعنا" و"بحلم وأنا صاحي"

ستصبح نمبر وان

وفي واحدة من أنجح مغامرات وتعاقدات نصر محروس , كانت تحويل نجم غنائي موجود وناجح بالفعل الى النجم رقم واحد، وهو ما حققه نصر مع المطرب محمد فؤاد، ولكنه كان يفتقد الى التخطيط وصناعة النجم التي يمكن أن تدفع به للاستمرارية في الوصول المرتبة الأولى ومنافسة النجم الدائم عمرو دياب، استطاع محروس في ألبومه الأول مع فؤاد أن يمزج بين الحالة الحليمية وبين روح العصر، فنجد الأغاني الرومانسية مثل "حيران " و"لا يا قلبي" والأغاني ذات الايقاع السريع مثل "فاكرك يا ناسيني " والتي قام بتصويرها مع المخرجة "ساندرا نشأت" , ثم استفاد  محروس من فيلم "اسماعيلية رايح جاي " الذي جاء نجاحه كانفجار شبابي غير متوقع حاملا معه ألبوم "كامننا" للقمة وليتوج محمد فؤاد نجما في السينما بجانب الكاسيت، ثم اختتم نصر نجاحه مع فؤاد بالبوم "الحب الحقيقى" التي استعان في تصويرها بالأطفال  وهم الجمهور الذي استهدفه نصر في أغان أخرى مثل "بابا فين "، ينتهي مشوار فؤاد مع نصر وبرغم محاولات فؤاد المتعددة في الغناء والسينما الا أن جمهوره يظل يتذكر تجربته مع نصر محروس كالعصر الذهبي لفؤاد الذي وصل فيه للقمة ولم يستطع استعادتها بعد ذلك .

أحس نصر بخيبة الأمل من كونه صانع النجاح لفؤاد وعجاج وبعد كل ما يبذله من مجهود في كل صغيرة وكبيرة , من اختيارات للاغاني وتصويرها واختيار الشكل الغنائي الملائم للمطرب ووضعه في قمة النجاح، ليرحل المطرب بعد ذلك  عن شركته مستفيدا من المكانة التي وصل اليها، لذلك قرر أن يتجه لخلق نجوم جديدة .

استفاد نصر من فكرة الألبومات المشتركة أو ألبومات الكوكتيلات مثل "لقاء النجوم " و"هاي كواليتي " ليصدر ألبومات "فري ميكس" التي أطلق من خلالها بالونات اختبار يستطيع من خلالها معرفة مدى نجاح المغني أو المغنية من خلال اغنية واحدة لن تكلفه الكثير، واستطاع من خلال هذه الألبومات اطلاق العديد من النجوم , كان ابرز هذه الألبومات هو ألبوم فري ميكس 3 ، الذي أطلق من خلاله نصر نجمي الغناء اللذين كانا بمثابة نجمي الألفية الجديدة ,تامر حسني وشيرين عبد الوهاب، وهي التجربة الأصعب لنصر محروس في تحويل مغنيين غير معروفين بالمرة الى اثنين من أكبر النجوم، كان تقديم تامر باعتباره النجم الجديد القادم لشباب الالفية الجديدة ومنافسة والتغلب على نجوم الثمانينيات والتسعينيات، واستطاع نصر أن يصل بتامر لمرتبة الصف الأول وان يكون السؤال الجديد " من هو نجمك المفضل عمرو دياب أم تامر حسني"، أما شيرين فقد كانت المغنية التي تجمع بين غناء الشعبي والعاطفي والشبابي  والتي اصبحت من نجمات الصف الأول، ترك تامر نصر محروس بعد خلافات مادية ولكن تمت تسوية المشكلات في عام 2014 وذلك بعد 5 ألبومات، وقد تنقل تامر حسني بين شركات "عالم الفن" و"روتانا" واستمر في تحقيق النجاح  في السينما والالبومات كنجم من الصف الأول، أما شيرين فقد تركت نصر سريعا في عام 2006  بعد خلافات  وبعد دفع 3 ونصف مليون جنيه كشرط جزائي لفسخ العقد , استمرت شيرين كنجمة كبيرة بعد ترك نصر محروس وتعاملت مع شركات "روتانا " و"نجوم ريكوردز"  ، ولكن غياب نصر بدا واضحا في وقوعها في أزمات عديدة بسبب تصريحاتها غير الذكية , وهو ما يشير لغياب دور المستشار والموجه الذي كان يقوم به نصر.


صناعة "الكينج"


كانت تجربة نصر مع محمد منير مختلفة فلقد كانت صادمة بالنسبة لجمهور منير الذي احب معه الابتعاد عن الاغنية التجارية وتقديم أغاني مختلفة عن السائد،ليأتي نصر ويحول منير لمغني تجاري وهو ما حقق له التواجد الجماهيري والانتشار مع أجيال جديدة ولكنه انتقص بشكل كبير من قيمة منير الفنية , ترك منير نصر محروس بعد ألبومين، وقدم عدة ألبومات تأرجح فيها بين الفني والتجاري ولكنه لم يصل لنفس النجاح التجاري الذي حققه مع نصر .

وتأتي تجربة نصر محروس مع بهاء سلطان كمثال صارخ على العلاقة الملتبسة بين نصر الصانع والنجم  الذي تمرد، فاكتشف نصر بهاء سلطان وقدمه وحقق به نجاحا كبيرا , ليصبح بهاء بموهبته واحد من أهم المطربين ليس فقط الشعبيين بل أهم المطربين على الساحة،ولكن بسبب احتكار نصر , تم ايقاف بهاء سلطان عن الغناء وانتاج الالبومات لسنوات بسبب عقد الاحتكار الذي أصبح به سلطان أسيرا لدي نصر محروس ، ليتوقف بهاء عن الغناء لسنوات كثيرة وتخرج من مواقع التواصل الاجتماعي حملات لحل مشكلته , وتوسط اسعاد يونس لحل المشكلة ، يرحب نصر بالوصول لحل ولكنه في صفحته على الفيس بوك يعرض وجهة نظره قائلا "“وما أود إيضاحه أن شعوري أزاء ماحدث هو ذات شعور الأب حينما يتخلي عنه أبنه وينكر فضله عليه ويصر علي تركه والإنفصال عنه دون مبرر ويصل الأمر به ان يشوه صورة والده دون سبب سوي انه لا يريد ان يبقي في المكان الذي يذكره بفضل والده عليه”.وأضاف: “والأصعب من ذلك أن تشعر بأن من أحسنت إليه وصنعت معه وله النجاح يتعمد الأعتداء علي حقوقك وأموالك ويفضل أن يسلم نفسه لغيرك ليقتسما ثمار جهدك وعرقك وروحك ودمك فماذا تفعل ؟ سوي أن تلجأ للقضاء وتطلب منه ان يستكمل تنفيذ التزاماته"


فنصر لا يعتبر نفسه منتجا بل هو صانع أو خالق للنجم وهو صاحب الحق فيه .ووضعه لشروط جزائية بمبالغ باهظة - مليون ونصف مليون دولار في حالة بهاء- ليس بغرض الربح المادي بل هو حرص منه على عدم تمرد النجم الذي صنعه وعدم خروجه من يد صانعه , أما بهاء فهو التمثال الذي نبض بالحياة وتحول لبشر يرفض أن يكون اسيرا لدى أحد حتى ولو كان صانعه .

اهتز انتاج نصر محروس مع ظهور شبكة الانترنت وتنزيل الاغاني من خلالها وهو ما أثر على مبيعات الكاسيت بشدة , ولكنه استعاد توازنه بتواجده على موقع اليوتيوب بقناة لشركة فري ميوزك , وباطلاقه لقناة فضائية free tv ,وباطلاقه لمجموعة من النجوم الجديدة يحاول معهم استعادة نجاحاته السابقة ,فيقدم نغم صالح في أغنيات فردية ومشتركة تمهيدا لاطلاقها نجمة بديلة لشيرين ، ويقدم دياب كمغني شعبي مودرن ، ومصطفى شوقي الذي حققت أغنيته "ملطشة القلوب " ملايين المشاهدات على موقع اليوتيوب .


تبدو العلاقة بين نصر ومحروس ونجومه كالعلاقة بين فؤاد المهندس وشويكار في مسرحية سيدتي الجميلة في بدايتها ولكنها تنتهي كنهاية مسرحية بيجماليون لبرنارد شو عندما ترفض الفتاة حب صانعها ، ليبقى السؤال هل من حق صانع النجوم الاستحواذ على النجم مدى حياته؟ أم أنه مجرد مكتشف لانسان من حقه أن يتمرد وأن يختار .










Comments

Popular posts from this blog

جريمة قتل أخرى في مدينتي لم يسمع بها أحد