روقان اسكندرية .. ترام وأم كلثوم والشاطبي

 في مقهى سكندري أنيق بالشاطبي، أجلس مع زوجتي في مساء يوم جمعة، التليفزيون مغلق، وجهاز الراديو القديم المنتمي لفترة التسعينات كما يبدو يصدح باذاعة "أم كلثوم"، التي كانت علامة اذاعية بارزة، توارت مع دخولنا لعصر ال اف ام الذي أنتج معادلا موضوعيا جديدا لها هو اذاعة الأغاني، تنتمي اذاعة أم كلثوم لزمن ما قبل الفاصل، تنساب الأغاني متتالية، بلا مذيعين ولا تنويهات، بلاي ليست بلغة العصر، تم اعدادها بناء على تراتبية قديمة، تجمع بين كبار المطربين وأصحاب الأغنيات الخفيفة لذلك الزمن، ولكنهم جميعا يبدون كفواتح شهية للطبق الرئيسي "أم كلثوم"، نلاحظ المعرفة المتبادلة بين أغلب رواد المقهى، واندماج غالبيتهم في لعب الدومينو بحماس على أكثر من طاولة، تملكني شعور بالخروج من الزمن الحالي، والعودة لأيام مضت، تكون الدومينو فيها وسيلة الترفيه والتفريغ الرئيسية في الحياة، وهو شعور كثيرا ما احسست به في أيام اقامتي في الاسكندرية، كأن الخروج من القاهرة هو خروج من المكان والزمان معا، يمكنك بسهولة الانفصال عن التطورات اليومية بهروبك من العاصمة، الناس أكثر استرخاءا بسبب ذلك الانفصال المزدوج، تغيب روح اللهاث القاهري في الشارع، التي نهرب منها بمتابعة لهاث اعلامي آخر،

أخبار اليوم على الكورنيش

وهو ما لاحظته في صباح السبت المشمس على الكورنيش، عندما شاهدت نسبة لا بأس بها من كبار ومتوسطي العمر، يجلسون في الكازينوهات على البحر يتصفحون العدد الأسبوعي من جريدة "أخبار اليوم"، وهي الظاهرة التي قاربت على الانقراض في القاهرة، ولكن قارئي الجرائد الورقية تبدو نسبتهم أكبر من القاهرة، جالسين خلف زجاج الكازينو مستمتعين بالشمس والبحر، متتبعين الأخبار من صحيفة تغطي وجوههم لا من جهاز في حكم كف اليد، أما آلة الزمن الحقيقية فهي الترام، وهو صورة كربونية في أغلب عرباته من مترو النزهة والميرغني، نفس ألوان التذاكر الوردية والبترولية، نفس محصلي التذاكر بروقان بالهم وبساطة ملابسهم، انتقال كامل بالذاكرة لثمانينات وتسعينات القاهرة والمترو الذي كان يصل من مصر الجديدة ومدينة نصر لميدان عبد المنعم رياض، ليتم استئصاله تدريجيا من أجل افساح الطرق للسيارات، الترام الذي يجمع بين البراح والحميمية، ليس مكتظا ومكتنزا كالميكروباص الذي يهبط سقفه و يضيق عرضه فتحس بالحصار البشري من حولك، ولا يأخذك وحيدا مثل "أوبر"، فجلسته الرباعية تعطيك الشعور بمنضدة وهمية تجمع بينك وبين من يجاورك ويواجهك، في البداية كنا كقاهريين نسارع بالنزول أو القفز من الترام، وبمرور الوقت اكتشفنا أننا متعجلون بلا سبب، فلن يسارع الترام بالحركة ولا الركاب بالهجوم، ولن تنطلق صافرة انذار كما يحدث في مترو الأنفاق، فالزمن يمضي متمهلا كأن احداثياته المختلفة لا تزال تعمل وفقا لتقويم مغاير للعاصمة.


Comments

Popular posts from this blog

جريمة قتل أخرى في مدينتي لم يسمع بها أحد

لاحروب ولا ارهاب ..الخطر في مصر

صورة لقاتل ابن شقيق جمال عبد الناصر